أحمد بن أعثم الكوفي

214

الفتوح

والجهاد سنام العمل ، وقد علمتم أن للدنيا تجارا وللآخرة تجارا ( 1 ) ، فأما تاجر الدنيا فإنه مكب عليها راتع فيها ، لا يبتغي بها بدلا ، وأما تاجر الآخرة فإنه ساع لثوابها لا يشتري بها ثمنا قليلا ، ويؤمل منها ثوابا جزيلا ، يظل قائما وقاعدا ، ويبيت راكعا وساجدا ، لا يطلب فضة ولا ذهبا ، ولا وفرا ولا نسبا ، ثم قال : أيها الناس ! إنا مدلجون الليل من منزلنا إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله . قال : ثم أدلج سليمان بالناس ليلة الجمعة من شهر ربيع الآخر لخمس مضين منه ( 2 ) حتى نزل على شاطئ الفرات بموضع يقال له أقساس ( 3 ) من بني مالك ، ثم إنه عرض الناس هنالك فإذا به قد نقص منهم ألف ومائة رجل - زيادة أو نقصانا ، فقال سليمان بن صرد : والله ما أحب من تخلف عنكم أن يكون معكم ، لأنهم لو كانوا معكم ما زادوكم إلا خبالا ، فاحمدوا الله على رجعتهم عنكم . قال : وسار القوم من ليلتهم تلك إلى أن أصبحوا [ و ] أشرفوا على قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما ، فلما عاينوه رفعوا أصواتهم بالبكاء والنحيب ، ثم إنهم رموا أنفسهم عن دوابهم وجعلوا يقولون : اللهم ! إنا خذلنا ابن بنت نبينا وقد أسأنا وأخطأنا ، فاغفر لنا ما قد مضى من ذنوبنا ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، اللهم ارحم الحسين الشهيد ابن الشهيد ! وارحم إخواننا الذين حصنوا أنفسهم بالشهادة ، اللهم ! إن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين . قال : ثم تقدم رجل من خيار أهل الكوفة يقال له وهب بن زمعة الجعفي حتى وقف على القبر باكيا ، ثم قال : والله لقد جعله ( 4 ) الأعداء للسيل عرضا وللسباع مطعما ! فلله حسين ولله يوم حسين ! لقد غادروا منه يوم وافوه ذا وفاء وصبر وعفاف وبأس وشدة وأمانة ونجدة ابن أول المؤمنين وابن بنت نبي رب العالمين ، قلت حماته وكثرت عداته ، فويل للقاتل ، وملامة للخاذل ! إن الله تبارك وتعالى لم يجعل للقاتل حجة ولا للخاذل معذرة ، إلا أن يناصح الله في التوبة فيجاهد الفاسقين ، فعسى الله عند ذلك يقبل التوبة ويقيل العثرة ، قال : ثم أنشأ يقول :

--> ( 1 ) عن الطبري : وبالأصل : أن الدنيا تجارا والآخرة تجازى . ( 2 ) سنة خمس وستين للهجرة ( الطبري 5 / 588 ) . ( 3 ) عن الطبري ، وبالأصل : " أفسى " . ( 4 ) بالأصل : جعلوه .